اليمن بلد بتربة خصبة وموقع استراتيجي في غرب آسيا، كان مكتفياً ذاتياً في إنتاج الحبوب في سبعينيات 1970 ميلادي، وتبدلت الزراعة لتكون إحدى أركان اقتصاده. ولكن اليوم، أصبح هذا البلد من مستوردي الحبوب في العالم. ما هي العوامل التي أدّت إلى هذه التغييرات؟ وهل يستطيع اليمن العوده إلى الاكتفاء الذاتي الزراعي؟ في هذا التقرير، نلقي نظرة على التحديات التي تواجه الزراعة في اليمن والحلول التي يمكن أن تحقق الأمن الغذائي المستدام واكتفاء ذاتي في إنتاج المنتجات الأساسية في هذا البلد.
يعد اليمن من الدول المهمة في منطقة غرب آسيا ومنذ زمن بعيد، وبسبب موقعه الجيوسياسي في هذه المنطقة (قربه من مضيق باب المندب والبحر الأحمر) وموارده النفطية الغنية، فكان محل صراع القوى الدولية والإقليمية.

الصورة رقم (1)- الموقع الجيوسياسي لليمن
إلى جانب الموقع الجيوسياسي والموارد النفطية، فإن هذا البلد يتمتع أيضاً بقدره زراعية عالية بفضل تربته الخصبة وهطول الأمطار المناسب. وفقاً لتقرير مؤسسة فيتش (Fitch)يعد اليمن من أكثر الدول خصوبة في غرب آسيا. بفضل تربتها الخصبة ومناخها المناسب، تمكّنت اليمن حتى سبعينيات القرن العشرين من إنتاج 82% من احتياجاتها من الحبوب محليًا، وهو ما وفّر لها الأمن الغذائي، وحوّل الزراعة إلى أحد الركائز الأساسية لتوفير فرص العمل؛ [1]إذ إن 75% [2] من القوى العاملة في هذا البلد كانت تعمل في القطاع الزراعي. يبين الرسم البياني في الاسفل انتاج الحبوب في اليمن من عام 1961 الى عام 2024.

الرسم البياني رقم (1): مقدار انتاج الحبوب في اليمن من عام 1961 إلى عام 2024 (الف طن)

الصورة رقم (2) – مقدار الزراعة في اليمن
[1] https://athimar.org/ar/articles/details/alaqtsad-alsiasi-llzra3a-oalsiasa-alzra3ia-fi-alimn
[2] https://holmakhdar.org/reports/2662/
وهذا الرسم البياني يبين مقدار انتاج الحبوب اليمن حيث انخفض من 900الف طن في عام 1961الى ما يقارب 400 الف طن في عام 2024. وقد أدى تضاعف عدد سكان هذا البلد بمقدار 7 مرات خلال هذه الفترة الزمنية بالتوازي مع انخفاض إنتاج الحبوب، إلى جعل تأمين الغذاء أحد التحديات التي تواجه سيادة اليمن.

الرسم البياني رقم (2): تغيرعدد السكان من عام 1961 الى عام 2023(مليون شخص)
من جهة أخرى، ووفقاً لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) فإن اليمن في عام 2024 كان بحاجة إلى حوالي 5.2 مليون طن من الحبوب التي تم انتاج منها 400 ألف طن في الداخل فقط، بينما يجب تأمين 4.8 مليون طن عبر الاستيراد. هذا الأمر، وبسبب الحرب الأهلية و الحصار الاقتصادي و العقوبات وغياب الموارد المالية الكافية أدى إلى اختلال كبير في تأمين الحبوب التي يحتاجها اليمن و مما ادى لجعل 19 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات غذائية العاجلة. وقد تسبب ذلك في أن يعاني اليمن خلال السنوات الأخيرة[1]. وخاصة أثناء الحرب مع التحالف السعودي الإماراتي، من أزمة في تأمين الغذاء للسكان، بل وحتى من مجاعة في بعض الأحيان.
[1] https://yementdy.tv/news43889.html
[1] https://yementdy.tv/news43889.html

الصورة رقم 3- طفل يمني يعاني من المجاعة
والسؤال المهم الآن هو كيف يمكن أن تحدث هذا الأمر مع وجود التربة الخصبة والتاريخ الزراعي الكبير لليمن في إنتاج الحبوب. يمكن الاشارة إلى اهم الاساب التي أدت إلى ذلك في الاسفل:
هجوم التحالف السعودي الإماراتي واندلاع حرب الأهلية: أدى هجوم التحالف السعودي الإماراتي، بدعم كامل من الولايات المتحدة من عام 2014، إضافة إلى اندلاع الحرب الأهلية في اليمن نتيجة تدخل هذا التحالف، إلى تدمير قسم كبيرة من الأراضي الزراعية و البنية التحتية والمعدات الزراعية وكذلك عدم القدرة على الاستثمار في هذا القطاع.

الصورة رقم 4- الدمار الناتج عن هجمات التحالف السعودي على اليمن
2. العقوبات الامريكية السعودية: حاولت الحكومة الشعبية في اليمن بعد ثورة 2014، وبعد وصولها إلى الحكم التحرك نحو زيادة إنتاج المنتجات الزراعية وخصوصاً الحبوب. ومع ذلك و بسبب العقوبات الأمريكية والسعودية، لم يتمكنوا من استيراد المعدات الحديثة مما اضطرهم إلى مواصلة الزراعة بالأساليب التقليدية ذات الإنتاجية الأقل.
3. الاقتصاد النفطي – أحادي المصدر: أدى اكتشاف النفط في تسعينيات القرن الماضي على يد شركة هانت أويل الأمريكية (Hunt Oil Company) إلى اعتماد الاقتصاد اليمني على تصدير النفط، بحيث إن 70%[1] من مدخول الحكومة في السنوات التي سبقت الحرب كانت من بيع النفط الخام. وقد أدّى اكتشاف النفط وما ترتّب عليه من نتائج، مثل زيادة إيرادات الدولة وتسهيل عمليات الاستيراد، إلى انتقال اليد العاملة نحو قطاع النفط وبالتالي تراجع القوى العاملة في القطاع الزراعي بسبب ارتفاع مداخيل قطاع النفط. كما أن اعتماد الحكومة على النفط حال دون الاستثمار في الزراعة وتحديث المعدات والأساليب الزراعية، مما ألحق ضرراً بهذا القطاع الحيوي من اقتصاد اليمن وفرص العمل فيه.

الرسم البياني رقم (3): حصة النفط من مقدار كل الصادرات من عام ٢٠٠٦ الى عام ٢٠١٤ (ب مليار الدولار)
٤.انتشار زراعة القات: أن زراعة القات أكثر ربحية بالمقارنة مع باقي المنتجات الزراعية.مما دفع العديد من المزارعين اليمنيين إلى التحول لزراعته.وبالإضافة إلى ذلك، فإن غياب الدعم الكافي من الحكومات المختلفة لمزارعي الحبوب وانخفاض دخلهم قد دفع الكثيرين منهم إلى الاتجاه نحو زراعة القات نظراً للطلب العالي عليه والدخل الكبير الذي يوفره مقارنةً بالحبوب. وهذا الامر أدى إلى نقص حاد في إنتاج الحبوب في اليمن.

الصورة رقم 5_ زراعه القات في اليمن
حالياً وبحسب وزارة الزراعة اليمنية، فإن 1.5 مليون هكتار فقط من أراضي البلاد قابلة للزراعة. ومع ذلك تظهر الدراسات المتخصصة أن خصوبة التربة وتوزيع الأمطار المناسب في العديد من مناطق اليمن يتيحان إمكانية زيادة الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي في المنتجات الأساسية بالاعتماد على الزراعة البعلية.وتبين الحسابات أنه من خلال تقسيم المناطق المختلفة في اليمن بحسب معدلات الهطول المطري، يمكن زراعة نحو 47 مليون هكتار من أصل 55 مليون هكتار من مساحة اليمن. وبناء على هذا يمكن إنتاج ما مجموعة 31.8 مليون طن من القمح. كما أن إنتاج 3 ملايين طن من الشعير يتيح تأمين العلف لـ 27 مليون رأس من الأغنام. وحتى في حال إنتاج ثلث هذه الكمية فقط من الحبوب فإن اليمن سيكون في غنى عن الاستيراد هذه العوامل بالاضافه إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وأنعدام الامن الغذائي،تستطيع تخويل اليمن إلى أحد أهم المصدّرين في هذا المجال.ولتحقيق ذلك لا بد من تغيير أساليب زراعة وحصاد الزراعي في اليمن.اليوم يمكن تنفيذ زراعة القمح البعلي بطريقتين:
الف) الزراعة البعلية التقليدية: في هذه الطريقة ولانه يتم استخدام أدوات تقليدية في حراثة الأرض ويتم تقليب وتحريك كميات كبيرة من التربة وطبقاتها العميقة مما يؤدي إلى تبخر الرطوبة وفقدان الفطريات المفيدة فيها.كما أنه في بعض الأحيان، تحرق بقايا النباتات من الموسم الزراعي السابق في هذا النوع من الزراعة بهدف تبديل المحصول بين دورتين متعاقبتين، مما يؤدي إلى فقدان العناصر الغذائية في التربة، إلى درجة أن الزراعة تصبح غير ممكنة في بعض السنوات.ومن جانب اخر فإن تكرار مرور المعدات الزراعية فوق التربة يؤدي إلى انحسار الغطاء النباتي و التقليل من خصوبة التربة ويرفع من استهلاك المياه.

الصورة رقم 6- الحراثة الارض باستخدام الحيوانات (الطريقه التقليدية)

الصوره رقم 7- الحراثة باستخدام التركتور(الطريقة التقليدية)

الصوره رقم 8-حراثه الارض باستخدام أله الزراعه المباشره (الطريقة المعاصرة)
رغم استخدام هذه تقنيه الزراعه البعليه مع معدات الزراعه المباشره على نطاق واسع في الدول المنتجة للمنتجات الزراعية ،إلا أنها لم تنتشر في اليمن بسبب فقدان المعرفة والاستثمار الناتج عن الحرب والعقوبات؛لذلك من الضروري أن يتجه المسؤولون اليمنيون للاستفادة من العلوم الحديثة والمعدات الزراعية المتطورة ليحققوا خطوات مهمة نحو الاكتفاء الذاتي في المنتجات الأساسية مثل الحبوب؛وبهذا الإجراء يمكن لليمن أن يسهم في خلق فرص عمل، ويعزز الأمن الغذائي في البلاد بشكل ملحوظ.وبهذا الشكل اليمن لن يشاهد مجاعة والجوع كما في حرب 2015 والحصار الذي تلاها.وبما أن اليمن دخل في حالة حرب مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بسبب جرائمهما في غزة، فإن احتمالية فرض عقوبات قاسية، حصار اقتصادي و اندلاع حرب جديدة على البلاد قائمة مما قد يؤدي إلى المجاعة وانعدام الأمن الغذائي كما حدث خلال الحرب مع التحالف السعودي.
[1] https://www.fao.org/family-farming/detail/en/c/880742/
[1] https://yementdy.tv/news43889.html





