لا يهم إن كان شتاءً أو صيفاً، فالشعب العراقي يعاني تقريباً في كل الفصول من مشكلة النقص الحاد في الكهرباء. برأيك، لماذا تواجه الكهرباء في العراق مثل هذه المشاكل، ومن المسؤول عن الانقطاعات المتكررة للكهرباء في العراق؟ إيران؟ أمريكا؟ أم فساد الحكومة؟
دعونا نلقي نظرة:
أنفقت الحكومة العراقية منذ عام 2003 م أكثر من 80 مليار دولار لمعالجة النقص في الكهرباء، لكن المشكلة لا تزال قائمة[1]. لحل مشكلة إنتاج الكهرباء، بدأ العراق في استيراد الغاز من إيران منذ حوالي 14 عاماً. في عام 2011 م، تم توقيع أول اتفاقية لتصدير الغاز الإيراني إلى العراق بكمية 20 مليار متر مكعب سنوياً، وتم تجديدها في عام 2017 م[2]. ومع ذلك، كان حجم الواردات العراقية في السنوات الأخيرة أقل من المستوى المتفق عليه.

صورة (۱): إبرام عقد تصدير الغاز الإيراني إلى العراق
في هذه الظروف، اتفاقية الغاز بين إيران والعراق تنص على تزويد سنوي قدره 20 مليار متر مكعب في السنة[4]، وهو ما يعادل 8٪ فقط من إنتاج الغاز الإيراني؛ لذلك، يمكن لإيران توفير الغاز الذي يحتاجه العراق دون أي مشكلة. إذن، ما هي المشكلة؟ لماذا يتم قطع صادرات الغاز الإيراني إلى العراق بشكل متكرر؟ تشير التحقيقات إلى أنه بسبب هيمنة الولايات المتحدة على الشبكة المالية والمصرفية العراقية، لا يُسمح لهذا البلد بدفع تكلفة الغاز والكهرباء المستلمة من إيران، ويتم تجميد الأموال الناتجة عن صادرات الغاز الإيراني في بنك التجارة العراقي. (TBI) وفي هذا السياق، قال رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني في مقابلة مع قناة العراقية في 12 يوليو 2023 م: «إيران تزوّدنا بالغاز دون الحصول على المال. 11 مليار يورو هي أموال الغاز التي دفعناها لهم مجمدة في بنك TBI ولا يمكنهم سحبها بسبب العقوبات.[5]» هذه المسألة تسببت في إحباط إيران تجاه تصدير غازها إلى العراق؛ لأنّه مع وجود صناعات بتروكيماوية وفولاذية كبيرة، يمكن لإيران تحويل الغاز المنتج إلى منتجات مختلفة داخل البلاد وتحقيق دخل كبير من العملات الأجنبية عن طريق تصدير هذه المنتجات.
إنّ عرقلة أمريكا للتجارة الحرة بين إيران والعراق وتجاهل احتياجات الشعب العراقي الحالية، أدى إلى لجوء الحكومة العراقية مضطرة إلى تركمانستان لتأمين احتياجاتها من الغاز. لكن العراق يحتاج أيضاً إلى استخدام شبكة خطوط الأنابيب الإيرانية لاستيراد الغاز من تركمانستان. ولهذا الغرض، تضطر الحكومة العراقية إلى دفع 20% من تكلفة نقل الغاز إلى إيران، بالإضافة إلى تكاليف شراء الغاز التركماني، وهذا يدل بوضوح كيف أنّ الوجود الأمريكي في العراق يزيد من تكاليف الحكومة العراقية لتوفير الكهرباء للمواطنين ويقلل من رفاهيتهم.

صورة (٢): إبرام اتفاقية استيراد الغاز من تركمانستان
إنّ عرقلة الولايات المتحدة لإدارة شؤون العراق وتلبية احتياجاته لا تقتصر على مسألة شراء الغاز من إيران. على سبيل المثال، في عام ٢٠١٨ م، كانت شركة سيمنز الألمانية على وشك توقيع عقد بقيمة ١٥ مليار دولار مع الحكومة العراقية للقيام بالإجراءات التالية:
١) إنشاء ١١ ألف ميغاواط من محطات الطاقة الجديدة في العراق خلال أربع سنوات.
) تعهد شركة سيمنز بتوفير ٦٠ ألف فرصة عمل جديدة في قطاع الكهرباء.
٣) إعادة بناء خطوط نقل الكهرباء في العراق بهدف تقليل خسائر الشبكة.
٤) تدريب المهارات اللازمة لإجراءات التحكم في شبكة الكهرباء.
ومع ذلك، في اللحظات الأخيرة، منعت الحكومة الأمريكية توقيع هذا العقد بالضغط على الحكومة العراقية. وكتبت صحيفة “المدى” العراقية أن الأمريكيين أرسلوا رسالة إلى الحكومة العراقية مفادها أنهم لم يفقدوا ٧ آلاف جندي من جنودهم أثناء الإطاحة بنظام صدام في عام ٢٠٠٣ م ليجني الألمان أرباح ذلك[6]. بعد إلغاء عقد سيمنز مع العراق، وقعت جنرال إلكتريك اتفاقيتين مع وزارة الكهرباء العراقية بقيمة ١.٢٧ مليار دولار للقيام بالإجراءات التالية:
١) مسؤولية تطوير وصيانة محطات الطاقة بقدرة إجمالية ٦ آلاف ميغاواط بميزانية قدرها ٥٠٠ مليون دولار.
٢) ٧٢٧ مليون دولار لربط شبكة نقل الكهرباء بين العراق والأردن[7].

صورة (٣): توقيع العراق عقداً مع جنرال إلكتريك الأمريكية
تُظهر مقارنة الإجراءات التي تعهدت بها شركتا سيمنز وجنرال إلكتريك جيداً أن الخاسر الأكبر من الضغوط السياسية الأمريكية على الحكومة العراقية هو الشعب العراقي الذي يعاني من انقطاعات متكررة في الكهرباء. في الواقع، تستخدم الحكومة الأمريكية أدوات سياسية واقتصادية، فضلاً عن وجودها في العراق، للضغط باستمرار على العراق لحمله على الاعتماد على الشركات والسياسات الأمريكية بدلاً من تنويع شركائه الاقتصاديين. وقد تسبب هذا النهج في عدم قدرة العراق على اتخاذ قرارات مستقلة بشأن تطوير بنيته التحتية، ونتيجة لذلك، يواجه مسار إعادة إعمار هذا البلد تباطؤاً وتحديات جمة.
[1]- mdeast.news/2021/07/04/ لماذا، رغم إنفاق 80 مليار دولار، لا تزال العراق.
[2]- https://www.entekhab.ir/0021O0
[3]-ion.ir/news/38330/ صادرات– الغاز الإيراني- سجلت رقماً قياسياً
[4]- https://energypress.ir/?p=5835
[5]tahlilbazaar.com/news/263161/ دفعنا 11 مليار يورو مقابل غاز إيران – ولكن إيران لا تستطيع.
[6]-https://barghnews.com/00095c
[7]- https://barghnews.com/000B7







