رغم امتلاك العراق لثالث أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، وتدفق إيرادات ضخمة بالعملة الصعبة (تجاوزت 110 مليار دولار في عام 2024 وحده)، يظل قطاع مصافي تكرير النفط في البلاد شبه متوقف عن التطور. لماذا يقتصر دور العراق على تصدير النفط الخام، بدلاً من تحقيق قيمة مضافة أعلى عبر تصدير منتجات مكررة؟ وما هي الأسباب الجذرية التي تقف حجر عثرة أمام استثمار هذه الثروة الهائلة في تطوير البنية التحتية للمصافي، لإنتاج سلع استهلاكية نهائية ذات قيمة اقتصادية أكبر؟
***
العراق بلد يملك احتياطي نفطي يقدر بأكثر من 145 مليار برميل من النفط الذي تم تأكيده، ويعد من أكبر منتجي ومصدري النفط الخام في العالم1.

صورة (1)–حجم الاحتياطيات النفطية المؤكدة لعشر دول تمتلك أكبر كميات من النفط
في عام 2024 احتل هذا البلد المرتبة السادسة بين منتجي النفط الخام بإنتاج يومي يبلغ حوالي أربعة ملايين وأربعمائة ألف برميل نفط، كما احتل المرتبة الخامسة من بين مصدري هذا المحصول بتصدير يبلغ ثلاثة ملايين وستمائة ألف برميل يوميا

صورة (2)–حجم الإنتاج اليومي للنفط الخام في الدول النفطية
2ومع ذلك لم يتمكن العراق على عكس العديد من الدول النفطية الأخرى من جمله روسيا والسعودية وإيران، من تطوير الصناعات المرتبطة بالنفط مثل صناعة التكرير. وفي الوقت نفسه فإن تطوير صناعة التكرير في العراق يمكن أن تؤدي إلى توسيع سلسلة القيمة للمنتجات النفطية وتنويع مصادر دخل البلاد من خلال تعزيز الاقتصاد والصناعة، مما يعزز من استقلال العراق السياسي في مواجهة الهيمنة الأمريكية. كما أن ذلك سيساهم في خلق فرص عمل وتقليل معدلات البطالة خاصه في فئة الشباب .إن عدم وصول العراق إلى هذه الصناعة بشكل متقدم حتى اليوم يعود إلى عدة أسباب، وهي:
1. العقوبات الدولية واحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية:
في تسعينيات القرن العشرين ميلادي ، وردا على هجوم العراق للكويت، فرضت الولايات المتحدة الأمريكية من خلال الأمم المتحدة عقوبات غير مسبوقة النظير على هذا البلد تحت عنوان النفط مقابل الغذاء.

صورة (3)–برنامج النفط مقابل الغذاء التابع للأمم المتحدة
وقد فرضت هذه العقوبات، في وقت كانت فيه أجزاء من العراق تحت الاحتلال الولايات المتحدة الأمريكية، بهدف معلن يتمثل في كبح النزعة العدوانية ل صدام حسين، رئيس العراق في ذلك الوقت، وإجبار البلاد على التراجع عن مواقفها، وتقليص قدراتها العسكرية. ومع ذلك فإن أحد الأهداف الخفية ل هذا الإجراء كان استعراض هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على المستوى الدولي، وزيادة الضغط على الحكومة العراقية لقبول السياسات الغربية في المنطقة. هذه العقوبات قد أثرت بشكل كبير على مصافي تكرير العراق، حيث حدت من قدرة هذا القطاع على الوصول إلى المعدات الحديثة وقطع الغيار والمواد الأولية اللازمة للمصافي، مما أدى إلى انخفاض كفاءة عمل المصافي وتآكل المعدات.كما أن احتلال العراق من قبل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2003 ، أدى إلى أضرار كبيرة لحقت بالمنشآت النفطية العراقية نتيجة الصراعات العسكرية، كما وقعت أعمال نهب وتدمير لهذه المنشآت خلال فترة انعدام الاستقرار الأمني بعد بدء الاحتلال، وقد تعرضت هذه المنشآت المتضررة خلال السنوات الماضية، لمزيد من الخسائر من جديد.
2. عدم الاستقرار السياسي والأمني وأزمة الإرهاب:
أدى احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني وأزمة الإرهاب في البلاد، وذلك لأسباب متعددة منها:
– السياسات الخاطئة ل الحكام الأمريكيين: من بين هذه السياسات الخاطئة قرار الحاكم الأمريكي المؤقت للعراق في ذلك الوقت بول بريمر، بحل جميع القوات العسكرية، وعدم دعم جيش جديد، والسعي إلى إبقاء العراق غير مستقر لضمان استمرار وجود الولايات المتحدة الأمريكي. وقد خلقت هذه السياسات بيئة من الفوضى وعدم الاستقرار السياسي والأمني .

صورة (4)–المسؤول المدني الأول في سلطة الائتلاف المؤقتة باول برمر
– ظهور مجموعات إرهابية: ان السياسات القاده الأمريكيون للعراق وفرت بيئة مناسبة لظهور جماعات متطرفة تكفيريه، مثل تنظيم القاعدة و من بعده داعش خصوصا في الاعوام ما بين 2014 و2017 لمقاومة الاحتلال الأمريكي والنظام الجديد من خلال أعمال تخريب وهجمات إرهابية تهدد أرواح واموال الشعب العراقي.

صورة (5)–الدولة الإسلامية في العراق والشام(داعش)
– استعانة بعض الشركات الأمريكية بجماعات مسلحة محلية لحماية استثماراتها: إن اعتمدت بعض الشركات الأمريكية على المجوعات المسلحة المحلية بدلاً من القوات النظامية العراقية لتوفير الحماية، مما عزز من قوة هذه المجموعات ومكنها من إثارة اضطراب الداخلية من أجل مصالحها الخاصة.6
في ظل هذه الأوضاع اضطرت العديد من الشركات الأجنبية التي دخلت العراق للاستفادة من بيئته الفريده وغير المستغلة في قطاع النفط، إلى سحب رؤوس أموالها ومواردها البشرية بسبب التهديدات الأمنية.7 فعلى سبيل المثال، خلال أزمة داعش في عام 2014، غادرت 40 شركة إيرانية كانت تعمل على مشاريع صناعية وبنية تحتية مختلفة في العراق.8 كما أن شركات النفط الكبرى مثل شركة إكسون موبيل الأمريكية، أقدمت على بسحب موظفيها من العراق نتيجة لهذه الاضطرابات الأمنية.

صورة (6)–شركة إكسون موبيل الأمريكية للنفط
ونظرا لاعتماد القطاع النفطي العراقي على وجود الشركات الأجنبية، فإن انسحاب هذه الشركات بالإضافة إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النفطية بفعل الإرهاب، أدّى إلى أن تنخفض صادرات النفط العراقي في عام 2014 إلى ما يقارب النصف مقارنة بالعام السابق. وفي النتيجة تم إعطاء الأولوية ل أمن البلاد، مما أدى إلى تخصيص الجزء الأكبر من ميزانية الدولة للقطاع العسكري، وهذا على حساب تطوير المصافي النفطية.
3. فقدان الاستثمارات المناسبة وضعف البُنى التحتية:
من أجل بناء وتطوير مصفاة حديثة نحتاج مليارات الدولارات من الاستثمارات، والتي ينبغي تمويلها إما من خلال الموارد الحكومية أو من خلال الاستثمارات الأجنبية.ومع ذلك لم تنفذ سوى استثمارات قليلة مخطط لها في قطاع التكرير للأسباب التالي
– النسبة العالية لنفقات الجارية مقارنة بالميزانية العمرانية: في موازنة الحكومة العراقية، ينفق أكثر من 75 ب المئة من العائدات النفطية على النفقات الجارية مثل رواتب الموظفين والمسائل الأمنية. ونتيجة لذلك بناء وتطوير المصافي لا يوضع في أولوية. ومن طرف أخر فإن الاستثمارات الحكومية التي تم تنفيذها لم تثمر بسبب الفساد وسوء الكفاءة وعدم إيفاء الشركات الغربية بتعهداتها.
– ضعف استثمار الشركات الأجنبية نتيجة للمخاطر السياسية والأمنية الناجمة عن الاحتلال الأمريكي: بسبب المشاكل مثل الحروب، التوترات الأمنية والعسكرية والاحتكار الحكومي و التسعير حسب الأوامر و البيروقراطية و القوانين التجارية والقضائية غير المناسبة انتشار الفساد والرشوة وسوء حالة البنى التحتية وعدم الاستقرار السياسي والذي يعود بشكل اساسي إلى تداعيات الاحتلال الأمريكي، فإن مستوى المخاطرة السياسية للاستثمار في العراق يعد مرتفعا، ولهذا فإن عددا قليلاً من الشركات يبدي رغبة في الاستثمار داخل العراق.10
– الاعتماد على الاستثمار الأجنبي و الغفلة عن أدوات التمويل الشعبي المحلي القائم على السيولة المتوفرة داخل المجتمع العراقي: بما أن صناعة التكرير تعدّ صناعة مربحة، فلماذا لا يستطيع الشعب العراقي الاستثمار فيها؟ في حين يمكن للحكومة أن تنشئ صناديق مشاريع، وتقدم الضمانات اللازمة للمواطنين لضمان رأس المال و الحد الأدنى من الارباح لجذب الاستثمارات الضرورية لبناء المصافي من داخل الشعب مما يجعل المواطنين شركاء في تنمية البلاد، ويحوّل رؤوس أموالهم من الأسواق غير المنتجة إلى الاسواق الإنتاجية، وقد تم تنفيذ هذا النموذج في دول أخرى مثل إيران عدة مرات. على سبيل المثال تمكنت شركة صبا فولاد خليج فارس من جذب أكثر من 44 مليون دولار من المواطنين11، وفي ظل العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، شرعت في إنشاء شركة لإنتاج الفولاذ بطاقة 3 ملايين طن في المرحلة الأولى. 12
4. الفساد المالي:
يعد الفساد المالي والعوائق البيروقراطية من جمله التحديات التي تواجه تطوير صناعة النفط والتكرير في العراق. ووفقاً لتقرير منظمة الشفافية الدولية، يقع العراق المرتبة 140 بين أكثر الدول فساداً من حيث مؤشر مدركات الفساد.13 ان هذا الفساد في العراق يؤدي إلى هدر الموارد المالية التي خصصت لتطوير البلاد، ويعيق نمو قطاعات النفط و الصناعه التكرير فعلى سبيل المثال، ووفقًا لما ذكره مصطفى الكاظمي، رئيس الوزراء العراقي السابق فقد تم إنفاق حوالي 80 مليار دولار في قطاع الطاقة وحده بين عامي 2003 و2020 إلا أن الفساد حال دون تنفيذ هذه المشاريع.14ولا يقتصر الفساد على العراقيين فقط، ولكنه شمل أيضا المستشارين الأمريكيين الذين كانوا في العراق، خاصة خلال السنوات الأولى من الاحتلال.وقد استغل بعض هؤلاء المستشارين مناصبهم من خلال الوساطة والسمسرة بين الحكومة والشركات الأجنبية. على سبيل المثال، بعض موظفي شركة هاليبرتون )Halliburton Company) وجهت إليهم اتهامات بتلقي حوالي 160 مليون دولار مقابل أعمال لم تنجز أبدا. بالإضافة إلى ذلك حصلوا على 60 مليون دولار اكثر مما كان مطلوب من اجل المشروع الواحد من الحكومة العراقية.15

صورة (7)- الفساد المالي في الهيكل الحكومي العراقي
5. أزمة الكوادر البشرية
تعد أزمة الكوادر البشرية من العوامل الأساسية في عدم تطوير قطاع التكرير في العراق. فمنذ تسعينيات القرن العشرين، بدأت هجرة النخب العراقية إلى الخارج بسبب الأوضاع الأمنية والاقتصادية المتدهورة، وازدادت وتيرتها بشكل ملحوظ بعد احتلال الولايات المتحدة للعراق واغتيال ما لا يقل عن 730 شخصية من النخب العراقية على يد النظام الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية.16وهذا الموضوع الى جانب النظام التعليمي الضعيف في العراق، الذي لم يتمكن خلال العقدين الماضيين من تأهيل كفاءات متخصصة تلبي احتياجات قطاعي النفط والتكرير. وقد أدى ذلك إلى نشوء فراغ كبير على مستوى الكوادر الفنية والمعرفة، في مجالات: الهندسة والتشغيل الفني و إدارة المشاريع و إدارة العقود النفطية (علم التعاقد مع الشركات الأجنبية) التمويل الشعبي للمشاريع النفطية وقد شكل هذا العجزعائقا كبيرا أمام تطوير هذا القطاع الحيوي. بشكل عام يجب ان يتم الإشاره إلى إن المشاكل التي يعاني منها العراق في ما يخص تطوير مصافي التكرير لا تعود في أغلبها إلى أسباب داخلية بل إلى أسباب خارجية. فمنذ احتلال العراق عام 2003، سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى فرض نمط من الاستعمار الجديد للهيمنة على المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية في البلاد. ولأن العراق يلعب دورا خاصا في المنافسة الجيوسياسية والجيواقتصادية الأمريكية مع منافسيها الإقليميين. فإن الولايات المتحدة لا تثق ببقاء العراق ضمن محور نفوذها في حال أصبح قويا سياسياً و اقتصاديا، ولذلك تعمل على منعه من التقدم والنمو والاستقلال، بهدف إبقائه ضعيفا ومعتمدا عليها. ففي هذه الحالة يمكن للولايات المتحدة استخدام العراق للضغط ضد خصومها الإقليميين.
ما رأيك .ما هو برأيك السبب الأهم في عدم تطور مصافي التكرير في العراق؟
1 https://www.baidarcenter.org/en/posts/1328
2 https://www.youtube.com/watch?v=2zT-ZHBbOzM
3 https://www.youtube.com/watch?v=2zT-ZHBbOzM
4 https://www.youtube.com/watch?v=-CnJeN6lAic
5 https://www.youtube.com/watch?v=HhwLyMAD4fQ
6 https://iopscience.iop.org/article/10.1088/1755-1315/337/1/012046/pdf
7 https://iopscience.iop.org/article/10.1088/1755-1315/337/1/012046/pdf
8 https://borna.news/fa/news/2139202/
10 Basim Abd Al – Hade Hassan(2020),ECONOMIC POLICIES IN IRAQ: CHALLENGES AND OPPORTUNITIES, Friedrich Ebert Institute.https://www.google.com/url?sa=t&rct=j&q=&esrc=s&source=web&cd=&ved=2ahUKEwjdwJyBvdz4AhUAhIkEHSFDBgkQFnoECAYQAQ&url=http%3A%2F%2Flibrary.fes.de%2Fpdffiles%2Fbueros%2Famman%2F16421.pdf&usg=AOvVaw2BzvtGNMlQbcvZ_S4OXvWG
11 https://www.cspf.ir/fa/news/3095/
12 https://www.mehrnews.com/news/1446498/
13 https://www.transparency.org/en/cpi/2024
14 https://fa.shafaqna.com/news/1181741/
15 یاسر خالد برکات الوائلی، الفساد الا5داری… مفهومه و مظاهره و اسبابه: مع اشاره الی تجربه العراق فی فساد، النبأ، السنة 11، العدد80، کانون الثانی/ینایر 2006،صص44-45







